أخر المقالات

الكتاتيب تبنى شخصية قارئ المستقبل


القاهرة ـ إکنا: أكد المقرئ المصري البارز “الشيخ الدكتور عبدالفتاح الطاروطي” أن الكتاتيب تبني شخصية قارئ المستقبل، مصرحاً: “أطالب وبإلحاح شديد بعودة الكتاتيب، لأننا لم نجد ما يسد غياب الكتاتيب، كونها لم تعتمد على الحفظ فقط، بل كانت تعطينا حسن الخط، الذى افتقده الطالب خلال مراحله التعليمية”.

وولد الشيخ عبدالفتاح الطاروطي في 29 أبريل عام 1965 بقرية طاروط، مركز الزقازيق، لأب حافظ كتاب الله عز وجل، وأم محبة للقرآن وأهله، وحصل على المركز الأول فى مسابقة القرآن الكريم حينما أتم حفظ نصف القرآن وهو في التاسعة من عمره عام ١٩٧٤، وحصل وهو فى العاشرة من عمره على المركز الأول حينما أتم حفظ القرآن الكريم.

والتحق «الطاروطى» بمعهد الزقازيق الديني وانتهى من المرحلة الثانوية؛ ثم التحق بكلية أصول الدين، قسم الدعوة الإسلامية بالزقازيق، وبعد قضاء فترة تجنيده عام 1999، تم تعيينه إماماً وخطيباً بأوقاف الشرقية، وكان طموحه الأكبر أن يكون قارئاً بالإذاعة لعذوبة ونقاء صوته، وتقدم إليها عام 1993 وتم إعطاؤه مهلة 6 أشهر للانتهاء من تقليد مشاهير القراء في ذلك الوقت، وتم اعتماده فى نفس العام ليصبح أصغر قارئ بالإذاعة وكان عمره 28 عاماً، وزامل الشيخ عبدالصمد الزناتى، والشيخ محمد أحمد شبيب، والشيخ محمد الليثى، والشيخ الشحات محمد أنور.

واستطاع “لطاروطى” أن يثبت جدارته، وحفر اسمه بين الأعلام بقوة صوته وحُسن أدائه وتجديده النغمي في تلاوة القرآن الكريم، وتأثر به شباب القراء والمستمعون داخل مصر وخارجها.

وصحيفة “المصرى اليوم” حاورت الشيخ عبدالفتاح الطاروطى، الذي أكد أن الله يرفع بالقرآن أقواماً ويضع به أقواماً آخرين، موضحاً أن عودة الكتاتيب تبنى شخصية قارئ المستقبل.

وفيما يلي النص الكامل للحوار:

 ما أول أجر تقاضيته خلال رحلتك القرآنية؟

– القراءة غير مرتبطة بالأجر؛ فالمبتدئ يبحث عن الفرصة التى توصل صوته إلى آذان المستمعين، ليكون له جمهور.. وكانت بدايتى في قراءة القرآن الكريم أمام الناس عام ١٩٧٩، وكنت أتقاضى ما بين جنيهين وثلاثة جنيهات، وكان هذا الأجر يمثل فرحة كبيرة تعادل أعلى أجر يحصل عليه الإنسان فى الوقت الحالى، خاصة أن هناك متطلبات للحياة المعيشية، كما أننى تقاضيت ١٠ جنيهات فى أول عزاء حضرته، وحينها وقفت أمام السرادق نحو نصف ساعة حتى خرج صاحب العزاء وسألنى عن سبب الانتظار، فأجبته: لقد أعطيتنى ١٠ جنيهات، فقال: هل هو مبلغ قليل؟، فقلت: لا لكننى أخشى أن تكون قد أخطأت فى الأجر، وعندما أغادر تعاود مطالبتى به، لأن هذا المبلغ كان يعادل راتب موظف فى ذلك الوقت.

هل سبق وتم دعوتك للتلاوة دون أجر أو بأجر رمزى، وما رد فعلك؟

– لقد شاركت فى نحو ٧ آلاف أمسية دينية لإذاعة القرآن الكريم دون أجر، ووهبت نحو ثلث عمرى لخدمة القرآن الكريم لأننى كنت أسجل ما بين أمسيتين وثلاث أمسيات دينية فى الأسبوع، وعندما توقفت الأمسيات وجدت أن هناك متنفساً حتى نسعى على أكل عيش أبنائنا، نظراً لحرصى على المشاركة فى الأمسيات، كونها السبيل للتواصل بيننا وبين الناس للتعرف على أصواتنا، فكنا نضحى بعملنا ونُلغى المشاركة فى العزاءات فى سبيل أمسية تذاع فى إذاعة القرآن الكريم، ويعلن عنها فى المساجد قبل الصلوات، وكانت بالنسبة لى تساوى كنوز الدنيا.. وقد حلت وسائل الإعلام والسوشيال ميديا فى الآونة الأخيرة محل الإذاعة وأصبحت السوشيال ميديا تؤدي دوراً كبيراً في حياة القارئ والمستمع بشأن ربطه بالجمهور داخل مصر وخارجها.

 ما أهم المواقف التى واجهتك أثناء إحياء الليالى القرآنية؟

ذهبت إلى عزاء دون اتفاق، وأقسم بالله أننى صادق فيما أقول، ولا أقول هذا الكلام من أجل الإعلام أو أن أحظى باحترام الناس، ولكنها علاقة بين القارئ وربه لا يعلمها كثير من الناس، وإلا ستزول النعمة، لأن ما نقوم به هو من باب التقرب والتودد إلى الله وليس من باب الشهرة والشو الإعلامى لأحظى بإعجاب الناس، لكننا لابد أن نراعى نعم الله علينا ونداوم عليها بالشكر؛ فسبق أن دُعيت فى عزاء، وكان المتوفى فى حاجة لإجراء عملية، وقام أهل القرية بجمع مبلغ من المال لمساعدته فى إجراء العملية، وفى الليلة التى سيصبح فيها لإجراء الجراحة توفاه الله، فأخبرونى بأن المبلغ عاد مرة أخرى وأنفق منه على تكاليف العزاء، وهذا أجرك المتبقى من المبلغ وكان ثلاثة آلاف جنيه، فسألتهم: كم ولد للمتوفى؟ فأجابوا: ثلاثة أبناء، فطلبت أن أعزيهم، وسلمت عليهم واحدا تلو الآخر وقبلته وأعطيت كل منهم ألفا من الجنيهات، وأقسم بالله رجعت إلى منزلى دون تقاضى أجر.
الشيخ عبدالفتاح الطاروطي: الكتاتيب تبنى شخصية قارئ المستقبل
وكانت فرحتى وسعادتى بهذا الأمر كمن ملك الدنيا.. وهناك مواقف طريفة، ترى من يدّعى المسكنة ويدعوك لعزاء وتفاجأ بخلاف ذلك، فقد حضر إلى منزلى رجل يرتدى ثيابا رثة، ولما دخلت عليه وجدته يرتدى حذاء قديما وهيئته توحى بحاله، وكانت والدتى حاضرة، وكان والدى متوفيا، فقال لى اسمع يا عم الشيخ، أتحب أمك فقلت نعم وأفديها بروحى، وأنا كذلك أحب أمى، فسبق واشتريت لك شريط كاسيت فوجدت أن أمى لم تسمع غيره، وطلبت منى بعد موتها أن أدعوك للقراءة فى عزائها وأنا لا أقدر على دفع أجرك كاملا، وجئت إليك لأنفذ وصية أمى، وهذا مبلغ ٥٠٠ جنيه أدفعه الآن حتى لا تحرجنى وتطالبنى أمام المعزين.

وقد أديت وصية أمى فهلا قبلت أو رفضت، الأمر يرجع لك، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإذا بوالدتى تقول لى اجبر بخاطره، فقلت له قبلت، وسأضع نقودك بين نقودى لأنها جاءت من رجل بار بأمه وحرص على تنفيذ وصيتها، وعندما غادر المنزل دار فى خاطرى سؤال عن استعدادات العزاء ويمكن يجيب ١٠٠ كرسى قدام البيت ويكون الوضع محرجا بالنسبة لى، فقلت على بركة الله، أهى ليلة وهتعدى علشان مكسرش بخاطره، وعندما توجهت إلى مكان العزاء، وجدت سرادقا فخما ومعزين راقين وسيارات فخمة، فقرأت الدور الأول، وبدأ يخطر لى أين الرجل الذى دعانى، وإذا بى أرى رجلا يرتدى ثيابا من الصوف الغالى، يأخذ العزاء، ولما انتهيت إذا ببعض الناس يقول لى ينفع يا عم الشيخ نجيلك لغاية البيت علشان ندعوك مع ابن المتوفاة ماترضاش تدخلنا معاه بيتك ونقعد ننتظره فى العربية، إحنا عايزين نعرف الراجل اتفق معاك على أجر كام، قلت لهم كان يشرفنى، هو من يُسأل عن هذا الموقف.
الشيخ عبدالفتاح الطاروطي: الكتاتيب تبنى شخصية قارئ المستقبل
ولم يخطر بذهنى أن الرجل يتخفى من الصحبة لأمر ما حتى انتهى العزاء، وأنا خارج سألونى كم تقاضيت من الأجر؟، قلت هذا ليس شأنكم، فقد أخذت أجرى، قالوا لأن هناك أراضى وأموالا وقسمة ستدار بين أبناء المتوفى، وفضيلتك عارف إن الخمسة اللى هيتم دفعها هتبقى عشرة، فقد أراد أن يستتر عشان ميعرفناش الاتفاق تم على إيه، ويخبرنا إن الشيخ خد فلوسه، وقبل الرد عليهم، وجدت من يأخذنى بالأحضان ويقول شرفتنى ورفعت راسى هذه الليلة يا فضيلة الشيخ، فقلت له نزل إيدك، إنت بتعمل ده كله علشان تاكل حق إخواتك، لا بارك الله لك فيما فعلت، ولن أطالبك بأجرى أو بنصف أجرى، وأقول لك اتق الله فى أرحامك؛ فالدنيا لا تغنى عن الآخرة.

 ما شعورك عندما يطلب منك الحضور إعادة تجويد آية أثناء التلاوة فى العزاء؟

على قد ما بتفرحنى على قد ما بتزعلنى، بتفرحنى لأنى بحس إنها أثّرت فى الناس ولها رد فعل كويس، وبتزعلنى نظرا لتكرار نفس المجهود، وربما تكون هيأت نفسك لتخرج من المقام إلى مقام آخر؛ فهو يلزمك بالعودة إليه، وهذا له استعدادات أخرى فى الصوت والفكر والتطبيق، فبقدر أن الإعادة مفرحة وكانت بمثابة سهم أصاب قلوب المستمعين وأثرت فيهم وأفرحتهم، بقدر ما تكون الإعادة مجهودا شاقا على النفس، فأنا أحب دائما أن أوجه رسالة للمستمعين: اتركوا القارئ يبدع ويبتكر، لأنك عندما تحب نغمة ما، وهو يظل يكررها سيصاب المستمع بالملل، اتركوه للإبداع، ولأن يأتى بصورة متكاملة من المقامات المتناسقة، حتى تكون التلاوة دسمة بما يقدم فيها من مغنى ومعنى.

هل تؤيد إعادة الكتاتيب لسابق عهدها؟

 أطالب وبإلحاح شديد بعودتها، لأننا لم نجد ما يسد غياب الكتاتيب، كونها لم تعتمد على الحفظ فقط، بل كانت تعطينا حسن الخط، الذى افتقده الطالب خلال مراحله التعليمية، لأنك تكتب بأسلوب الخطاط الذى كتب المصحف، فلو ظل أولادنا يواظبون على كتابة المصحف من أول سورة الفاتحة ونسخوا هذه الألواح فى كشاكيل لكان فخرا لهم أنهم كتبوا القرآن الكريم بأيديهم دون قصد.. تخيل أن كل واحد يقولك أنا كتبت المصحف بإيدى.. فكم له من شرف عظيم!!.. كما أن وجودك فى الكُتّاب تأديب وتهذيب ويلزمك بالحضور والانصراف، وفيه احترام وإجلال للمعلم، فمنذ لحظة الدخول على سيدنا تُقبّل يده فيعرف قيمة من أثّر فيه وعلمه، ويجعل منه إنساناً صالحاً في المجتمع يخاف على كرامته ويحفظها، وكذلك الحرص على الحفظ والفهم وخلق نوع من الغيرة بينك وبين زملائك فى مراجعة الدروس دون أخطاء.

وهناك دروس مستفادة من الكتاتيب، وهى: المساهمة فى بناء شخصية قارئ المستقبل، قارئ يعرف المتشابهات فى القرآن ويعلم ما يمكن أن يقع فيه الإنسان من أخطاء، فذات مرة اشتركت فى مسابقة وسألنى الشيخ فى سورة الأحقاف وكلمة «ائتونى بكتاب من قبل هذا»، فإن وصلتها نطقت الهمزة، وإن بدأت بها يتم تحويل الهمزة الثانية إلى ياء، وكان شيخنا فى الكُتاب لم يعلمنى بها، فرسبت فى المسابقة، ورجعت وأنا ألوم سيدنا، فقال لى: وأنت تقرأ اللوح لم تقف عندها فقلت له كان لابد أن تعلمنى أن لها وجهين.. إذن فلو لم يكن لى شيخ، فلمن أرجع للتصحيح والتوضيح والمراجعة؟!.. الكتاتيب لها دور كبير فى بناء شخصية القارئ وتأهيله.

رسالة توجهها إلى قراء اليوم للحفاظ على الثبات أثناء التلاوة.

كثير من شباب القراء يتعجل الشهرة، وكيف لم يلتحق بالإذاعة، وكأن الإذاعة فى نظرهم سور منخفض من السهل المرور أعلاه للوصول إلى آذان الناس، لكن لابد أن نعلم أن الإذاعة تتويج لرحلة كفاح وعطاء ونجاح على المستوى المحلى، وتأتى الإذاعة بعد ذلك لتبرز هذا الصوت فيظل يقرأ أمام الناس سنوات طويلة من الإبداع والجمال، لابد من التأهيل والتدريب والمثابرة لأن الإذاعة ليست مجالا للتدريب أو التمرين، لأن سورها عال، وقيمتها عالية، ودورها فى حياة القارئ أُمنية يتمناها منذ أن أتم القرآن إلى أن يموت.
الشيخ عبدالفتاح الطاروطي: الكتاتيب تبنى شخصية قارئ المستقبل
وليعلم شباب القراء أن الإذاعة تخلد تراثه فى آذان الناس وإعلاء لاسمه وقدره بين الصفوة من القراء، لأنه يقرأ على يد كبار من المختصين وعلماء القراءات والتجويد من الأزهر والأوقاف، كما أن الإذاعة ربما كانت سببا فى رفعتك وربما كانت سببا فى سخط الناس عليك، لأنك لو لم تحسن دخول الإذاعة ولو لم تؤد فيها باقتدار وحرفية فسوف يسخط الناس عليك، فلا تتعجل الأمر واعلم أنك لم تتنافس مع نفسك أو مع الشباب فى جيلك، ولكن تتنافس مع من سبقوك من علماء التلاوة فى القرآن.

هل سبق أن تمت دعوتك للمشاركة فى مناسبات خارج مصر؟

زرت كثيراً من الدول قارئًا ومحكمًا فى مسابقات دولية، وكانت أول مشاركة عام ١٩٩٧ فى سان فرانسسكو بأمريكا، وكنت ممثلا لوزارة الأوقاف، والحمد لله هذا العام كان بالنسبة لى يحمل الكثير من البشرى، فقد أسلم على يدى ١٠ من الأمريكان بمدينة أوكلاند، وبعدها كنت فى إسبانيا بجزر الكنارى، مركز الملك خالد، والحمد لله أسلم ٥ من النساء على يدى، وفى جوهانسبرج بدولة جنوب إفريقيا وتحديدا مدينة كيب تاون أسلم شخص هناك عندما سمعنى أقرأ قول الله تعالى «اقتربت الساعة وانشق القمر»، وكان يجلس وصرخ صرخة عالية، فاعتبرت أنه رد فعل طبيعى من الانسجام والروحانية مع القراء، ولما انتهى المجلس وذهبت لحضور واجب الضيافة فإذا بالمضيف يقبلنى ويقول: مبروك أعطاك الله أجر إسلام واحد من الحاضرين، فقلت له: أهو الذى صرخ؟ قال: نعم، فقلت: الحمد لله لقد أصاب قلبه سهم القرآن وهذه نعمة كبيرة من الله.. كما شاركت فى مسابقات التحكيم بدولة إيران ١٥ سنة، وبورناى وجائزة دبى الدولية للقرآن الكريم، ودول العراق وتركيا وماليزيا ومصر، آخرها فى المسابقة العالمية التى نظمتها وزارة الأوقاف بمراحلها التمهيدية حتى المرحلة النهائية.

وأشكر الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، فكان دائما يضعنى موضع التقدير والاحترام والاستعانة بى فى مثل هذه المسابقات، ويكفينى شرفا أننى كنت رئيس لجنة تحكيم، وكان على يمينى أستاذى وشيخى الدكتور عبدالكريم صالح، رئيس لجنة مراجعة المصحف الشريف، وعلى يسارى أستاذى الشيخ محمد حشاد نقيب القراء، وكنت أجلس بينهما خجِلًا على استحياء لمكانتهما وقدرهما فى قلبى، فإن الله يرفع بالقرآن أقواماً ويضع به أقواماً آخرين، فأسأل الله أن يديم علينا وعليكم نعمة القرآن.

المصدر: المصري اليوم



المصدر:
وکالة الأنباء القرآنیة الدولیة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى