أخر المقالات

كيف نهدم البناء الفكري الإرهابي المتطرف؟


مقاومة الإرهاب تستدعي البحث عن تلك العقول التي تنشر الإرهاب بخطبها ودروسها وحواراتها، والتي تتنقل بحرية بين عواصم العالم لتمد الإرهاب بكل ما يحتاجه من عناصر ومناصرين.

كما أننا بحاجة إلى معاينة المريض لتشخيض علته من أجل تحديد الدواء الشافي، باعتبار التشخيص هو الوسيلة المثالية والوحيدة لتحصيل العلاج، فكذلك نحن بحاجة الى وضع استراتيجية كاملة، تعمل على تحديد وسائل وآليات القضاء على الفكر الإرهابي التكفيري المتطرف.

 

فاختفاء أعراض [مرض الإرهاب] لا يعني اختفاء [مرض التطرف الديني أو الفكري]، والذي يمثل المرض الحقيقي الذي يجب علينا أن نواجهه إن أردنا علاج المشكلة بصورة فعالة، وذلك طبعا لا يستبعد المواجهة المسلحة لمن يحمل السلاح من الإرهابيين.

ولذلك؛ فإن من الأخطاء الكبرى التي يقع فيها من يزعم لنفسه أنه يقاوم الإرهاب أو يجفف منابعه اعتباره الإرهاب مجرد عمل عسكري منظم من طرف جماعة أو جماعات من المتعصبين الذين دفعتهم ظروفهم النفسية أو الاجتماعية لممارسة هذا النوع من التطرف في المجتمع.

 

وأصول الخطأ في هذا التحديد للإرهاب يكمن في أمرين:

الأول: اعتباره الإرهاب مجرد عمل عسكري منظم يقوم به مجموعة من المنهزمين نفسياً أو اجتماعياً، وذلك غير صحيح، والواقع لا يدل عليه، فالإرهاب هو منظومة متكاملة تبدأ بالفكر والعقيدة، وتنتهي بتلك الممارسات العسكرية، ولا يمكن استئصال الإرهاب دون استئصال جذوره ومنابعه وأسسه التي يقوم عليها.

الثاني: حصر الإرهابيين في الذين حملوا السلاح فقط، بينما يغفل عن الكثير من الذين يحملون فيروس الإرهاب، ولو لم تظهر عليهم أعراضه، وفيروس الإرهاب هو تلك الأفكار التي تتجول في المجتمع بحرية، بل تتاح لها كل الوسائل لتقوم بنشر الأفكار الإرهابية، لتخرج لنا كل يوم جماعة إرهابية جديدة، أكثر تطوراً، وأشد شراسةً.

وبناء على هذا يتضح لنا، أن مقاومة الإرهاب تستدعي البحث عن تلك العقول التي تنشر الإرهاب بخطبها ودروسها وحواراتها، والتي تتنقل بحرية بين عواصم العالم لتمد الإرهاب بكل ما يحتاجه من عناصر ومناصرين.

والبحث عن هذا يجعلنا نرى بوضوح المفارقة العجيبة التي تمارسها الأنظمة العربية والإسلامية والعالمية حين تكتفي فقط باعتبار أشخاص أمثال أسامة بن لادن وأبي بكر البغدادي وأبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني وغيرهم إرهابيين، بينما تعتبر أشخاصاً آخرين قد يكونون أكثر خطراً، وأشد حقداً، دعاة إلى الله وإلى دين الله، فتيسر لهم ارتقاء جميع المنابر والوصول لجميع الناس لتحريضهم ونشر الفتنة بينهم.

وهذا ما يدل عليه الواقع، فداعش لم تكن لتقوم لولا ذلك التحريض الشديد الذي كان يقوم به بعض المشايخ الذين كانوا وما زالوا يحرضون بكل الوسائل والأساليب على تدمير سورية والعراق وليبيا وغيرها من بلاد العالم الإسلامي.

بناء على هذا، سنذكر هنا ـ باختصار شديد ـ ما نراه حول تشخيص العلل المسببة للإرهاب، والطريقة التي يمكن علاجه من خلالها.

أولاً ـ تشخيص علة الإرهاب:

يمكن تشخيص علل الإرهاب في العناصر التالية:

1. إن الجماعات الإرهابية المسلحة لم تنشأ من فراغ، وإنما نشأت من الأفكار المتطرفة التي ينشرها الاتجاهان: السلفي والحركي بنسب مختلفة.

2. أنه لا يمكن القضاء على الإرهاب بالقضاء على الجماعات الإرهابية المسلحة وحدها، لأن الفكر الإرهابي المنتشر في المجتمع بفعل ذينك الاتجاهين سيظل يخرج لنا في كل يوم جماعة إرهابية جديدة، ربما أكثر تسلحاً وخبرةً وتطرفاً.

3. أن الإرهاب بأنواعه المختلفة ليس وليد هذا العصر، وإنما له أسسه التاريخية التي ابتدأت من فجر الإسلام الأول، وخصوصاً بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولذلك فإن هذا التاريخ صار من التراث الذي يستند إليه الإرهابيون في تبرير سلوكاتهم الإرهابية.

4. أن الفكر السلفي أمد الإرهاب بكل ما يحتاجه من أنواع التكفير، بحيث شمل تكفيره الأمة جميعاً، فلا يكاد ينجو منه أحد.

5. أن للفكر الطائفي الذي ساهم السلفيون والحركيون في نشره في المجتمع دوراً كبيراً فيما نراه من أحداث العنف الخطيرة التي أصابت كل الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية.

6. أن حركات الإسلام السياسي، وإن ادعت أنها لا تمارس العنف إلا أنها حرضت عليه بكل الطرق، بالإضافة إلى نشرها للأفكار التي ساهمت في دعم الإرهابيين.

ثانياً ـ علاج آفة الإرهاب:

انطلاقاً من هذا التشخيص يمكننا وضع استراتيجيات وآليات لمكافحة الإرهاب والتطرف الفكري المرتبط به إلى ما يلي:

1. تنقية الموروث الديني من الدنس الذي لحق به، ونشر الفضائح التاريخية المرتبطة بالفكر السلفي التكفيري الذي ينطلقون منه.

2.نشر ثقافة السلام والسماحة والحوار التي دعا إليها الإسلام، لأن المفاهيم الدينية الحالية التي تهيمن على الفكر الإسلامي، تكرس للعنف والغل والكراهية وتشعل نيران التطرف الديني، والتي استعملها الإرهابيون والجماعات السلفية والحركية  لتشويه كل المعاني الحقيقية بالمفهوم الديني للسلام والتسامح والمحبة.

3. الدعوة إلى الإسلام المحمدي الأصيل، والذي شوهه الفقهاء والمؤرخون على مدار التاريخ الإسلامي، وهو الإسلام المستند إلى النصوص القرآنية والنبوية أولاً، وللتمثيل الجيد له من طرف ورثة النبوة الذين أوصى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالتمسك بحبهم وبحبلهم، وشهد بالضلالة على من خالفهم، وسار على خلاف هديهم.  
                              
 4ـ استخدام علم النفس السيكولوجي وأدوات فكرية ومنهجية أخرى لتغيير وسائل التفكير العقلي المتسببة في التطرف.

5ـ استخدام الجانب الإعلامي بجميع وسائله المختلفة في وضع استراتيجيات طويلة المدى تستهدف تجفيف منابع التطرف ومحاصرته ومنعه من الانتشار من خلال برامج تربوية وتنموية وإجراءات قانونية واجتماعية.

 

بقلم  الكاتبة والباحثة الجزائرية: نورا فرحات



المصدر:
وکالة الأنباء القرآنیة الدولیة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى